السيد عبد الأعلى السبزواري

51

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . شرح لتلك الحقيقة وبيان لها ببيان واضح جلي . وردّ على مقالة تلك الطائفة الّتي ينسب الشرّ إلى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله تطيّرا منهم به ، أو لأغراض أخرى خبيثة مثل تنفير الناس عنه ، أو التجريح في قيادته ونحو ذلك . وقد أعرض عزّ وجلّ في هذه الآية الكريمة عن خطابهم لسقوط فهمهم ، كما أنّها تصحّح وتوضّح لهم معالم تفكيرهم ، فإذا ضممنا هذه الآية الشريفة إلى سابقتها ، تبيّن القاعدة العريضة في الإسلام في نسبة الحوادث الكونيّة مطلقا إلى اللّه تعالى والى الإنسان ، فإنّ الآية الأولى تبيّن أنّ كلّ ما يقع من الحوادث الحسنة والسيئة إنّما هي بتقدير اللّه تعالى وقضائه ، وهذه الآية الكريمة تبيّن أنّ كلّ حسنة وخير يصيب الإنسان من عافية أو نعمة أو أمن أو رفاهية وغيرها ، فإنّما هي من اللّه تعالى وبفضل منه جلّ شأنه ، الّذي سخّر لنا الأرض وما عليها ، وهيّأ لنا أسباب الانتفاع منها ، ومنح لنا القدرة على ذلك . وأما السيئات فإنّما هي آثار الأعمال الّتي يعملها الإنسان ، وقد وضع قانونا متينا يوضح لنا المنهج ، فهو تعالى يعلم الخير وخصوصياته كما يعلم الشرّ وأسبابه ، ويعلم أين يكمن كلّ واحد منهما ، وبمقتضى علمه الأتم وضع لنا منهجا ربانيّا يوضح لنا طريقا يحقّق لنا خير الدنيا والآخرة ، فمن اتبع هذا المنهج فقد جلب الخير لنفسه وتحقّق مقصده ، وأمّا من خالف وأعرض عن ذلك فقد جلب الشرّ لنفسه ، ويكون من عند نفسه لعدم اتباعه شريعة اللّه تعالى ومنهجه القويم ، ومن ذلك يتّضح ما في هذه الآية الشريفة من دلالة حكيمة ، فهي تبيّن أنّ الحسنة من اللّه جلّ شأنه ، والسيئة من عند الإنسان ، فلا تعارض بين هذه الآية وسابقتها ، فإنّ الجميع إنّما يكون بمشيئة اللّه تعالى ، ويبيّن ذلك قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ